الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
264
مختصر الامثل
« قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ » . هذه الآية تتابع حديث الآية السابقة وتقول : ما دمتم تدّعون الحب للَّه ، إذاً اتّبعوا أمر اللَّه ورسوله ، وإن لم تفعلوا فلستم تحبون اللَّه ، واللَّه لا يحب هؤلاء « فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَايُحِبُّ الْكَافِرِينَ » . إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ( 33 ) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 34 ) في مبتدأ هذه الآية يشرع القرآن بسرد حكاية مريم وأجدادها ومقامهم ، فهم النموذج الكامل لحبّ اللَّه الحقيقي وظهور آثار هذا الحب في مقام العمل والذي أشارت إليه الآيات السابقة . « اصطفى » : من الصفو وهو خلوص الشئ من الشوائب ومنه « الصفا » للحجارة الصافية وعليه فالاصطفاء هو تناول صفو الشيء . تقول الآية : إنّ اللَّه اختار آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران من بين الناس جميعاً ، هذا الاختيار قد يكون « تكوينياً » وقد يكون « تشريعياً » أي أنّ اللَّه قد خلق هؤلاء منذ البدء خلقاً متميزاً ، وإن لم يكن في هذا الامتياز ما يجبرهم على اختيار طريق الحق ، بل إنّهم بملء اختيارهم وحرّية إرادتهم اختاروه ، غير أنّ ذلك التميّز أعدّهم للقيام بهداية البشر ثم على أثر إطاعتهم أوامر اللَّه ، والتقوى والسعي في سبيل هداية الناس نالوا نوعاً من التميّز الإكتسابي ، الذي إمتزج بتميزهم الذاتي ، فكانوا من المصطفين . « ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ » « 1 » . تشير هذه الآية إلى أنّ هؤلاء المصطفين كانوا - من حيث الإسلام والطهارة والتقوى والجهاد في سبيل هداية البشر - متشابهين ، بمثل تشابه نسخ عدّة من كتاب واحد ، يقتبس كل من الآخر : « بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ » . « وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ » . في النهاية تشير الآية إلى حقيقة أنّ اللَّه كان يراقب مساعيهم ونشاطهم ، ويسمع أقوالهم ، ويعلم أعمالهم . وفي هذا إشارة أيضاً إلى مسؤوليات المصطفين الثقيلة نحو اللَّه ومخلوقات اللَّه .
--> ( 1 ) « الذرّيّة » : أصلها الصغار من الأولاد ، وقد يشمل الأبناء الصغار والكبار أيضاً بلا واسطة أو مع الواسطة ، والكلمة من « الذرء » بمعنى الخلق والإيجاد .